العلامة المجلسي

293

بحار الأنوار

بكت فاطمة بكاء شديدا ، وقالت : يا أبت متى يكون ذلك ؟ قال : في زمان خال مني ومنك ومن علي ، فاشتد بكاؤها وقالت : يا أبت فمن يبكي عليه ؟ ومن يلتزم بإقامة العزاء له ؟ . فقال النبي : يا فاطمة إن نساء أمتي يبكون على نساء أهل بيتي ، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي ، ويجددون العزاء جيلا بعد جيل ، في كل سنة فإذا كان القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال وكل من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنة . يا فاطمة ! كل عين باكية يوم القيامة ، إلا عين بكت على مصاب الحسين فإنها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة . أقول : سيأتي بعض الأخبار في ذلك في باب بكاء السماء والأرض عليه عليه السلام . 38 - ورأيت في بعض مؤلفات أصحابنا أنه حكي عن السيد علي الحسيني قال : كنت مجاورا في مشهد مولاي علي بن موسى الرضا عليها السلام مع جماعة من المؤمنين ، فلما كان اليوم العاشر من شهر عاشورا ابتدأ رجل من أصحابنا يقرأ مقتل الحسين عليه السلام فوردت رواية عن الباقر عليه السلام أنه قال : من ذرفت عيناه على مصاب الحسين ولو مثل جناح البعوضة غفر الله له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر . وكان في المجلس معنا جاهل مركب يدعي العلم ، ولا يعرفه ، فقال : ليس هذا بصحيح والعقل لا يعتقده ( 1 ) وكثر البحث بيننا وافترقنا عن ذلك المجلس ، وهو

--> ( 1 ) توهم الجهال أن لهذه الأحاديث اطلاقا يشمل كل ظرف وزمان ، فأنكرها بعض أشد الانكار ، وقال لو صح هذه الأحاديث لأتى على بنيان المذهب وقواعده ، ولأدى إلى تعطيل الفرائض والاحكام ، وترك الصلاة والصيام كما نرى الفساق والفجار يتكلون في ارتكاب السيئات والاقتحام في جرائمهم الشنيعة على ولاء الحسين ومحبته ، والبكاء عليه من دون أن ينتهوا عن ظلمهم وغيهم واعتسافهم . فليس هذه الأحاديث الا موضوعة من قبل الغلاة ، ودسهم في أخبار أهل البيت ، ترويجا لمرامهم الفاسد ، ومسلكهم في أن ولاء أهل البيت إنما هو محبتهم ، لا الدخول تحت سلطانهم وأمرهم ونهيهم على ما هو الصحيح من معنى الولاية . وبعضهم الاخر الذين يروون الحديث ولا يعقلون فيه ولا يتدبرون أخذ بالاطلاق ، وادعى أن " من بكى على الحسين أو أبكى أو تباكى فله الجنة " حتى في زماننا هذا وعصرنا كائنا من كان ، ثم شد على المنكرين بأنهم كفروا وخرجوا عن المذهب ولم يعرفوا الأئمة حق معرفتهم و . . . . ثم إذا الزم بالاشكال أخذ في تأويل الأحاديث وأخرجها عن معانيها ومغزاها ، أو سرد في الجواب بعض الأقاصيص والرؤى . والحق ان هذه الأحاديث - بين صحاح وحسان وضعاف - مستفيضة بل متواترة لا تتطرق إليها يد الجرح والتأويل ، لكنها صدرت حينما كان ذكر الحسين ، والبكاء عليه وزيارته ، ورثاؤه ، وانشاد الشعر فيه ، انكارا للمنكر ، ومجاهدة في ذات الله ، ومحاربة مع أعداء الله : بنى أمية الظالمة الغشوم ، وهدما لأساسهم ، وتقبيحا وتنفيرا من سيرتهم الكافرة بالقرآن والرسول . ولذلك كانت الأئمة عليهم السلام يرغبون الشيعة في تلك الجهاد المقدس باعلاء كلمة الحسين واحياء أمره بأي نحو كان بالرثاء والمديح والزيارة والبكاء عليه ، وفى مقابلهم بنو أمية تعرج على إماتة ذكر الحسين ، ويمنع من زيارته ورثائه والبكاء عليه فمن وجدوه يفعل شيئا من ذلك أخذوه وشردوه وقتلوه وهدموا داره ولأجل تلك المحاربة القائمة بين الفريقين : أنصار الدين ، وأنصار الكفر ، أباد المتوكل قبر الحسين وسواه مع الأرض وأجرى الماء عليه ليطفئ نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون . فمن كان يبكى على الحسين أو يرثيه أو يزوره في ذاك الظرف لم يكن فعله ذلك حسرة وعزاء وتسلية فقط ، بل محاربة لأعداء الدين وجهادا في سبيل الله مع ما يقاسونه من الجهد والبلاء والتشريد والتنكيل فحق على الله ان يثيب المجاهد في سبيله ويرزقه الجنة بغير حساب . ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ، ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر المحسنين . ففي مثل ذاك الزمان - كما رأينا قبل عشرين سنة في إيران - لم يكن ليبكي على الحسين وينشد فيه الرثاء الا كل مؤمن وفى ، أهل التقوى واليقين ، لما في ذلك من العذاب والتنكيل ، لا كل فاسق وشارب حتى يستشكل في الأحاديث . بل كان هؤلاء الفساق - في ذاك الظرف - مستظهرين بسلطان بنى أمية ، منحازين إلى الفئة الباغية يتجسسون خلال الديار ليأخذوا على أيدي الشيعة ، ويمنعوهم من احياء ذكر الحسين ، كما اقتحموا دار أبى عبد الله الصادق بعد ما سمعوا صراخ الويل والبكاء من داره عليه السلام . وأما في زمان لا محاربة بين أهل البيت وأعدائهم كزماننا هذا فلا يصدق على ذكر الحسين والبكاء عليه عنوان الجهاد ، كما أنه لا يلقى ذاكر الحسين الا الذكر الجميل والثناء الحسن . بل يأخذ بذلك أجرة ، والباكي على الحسين يشرف ويكرم ويقال له قدمت خير مقدم ويقدم إليه ما يشرب ويتفكه . فحيث لا جهاد في البكاء عليه ، فلا وعد بالجنة ، وحيث لا عذاب ولا نكال ولا خوف نفس فلا ثواب كذا وكذا . فليبك الفسقة الفجرة ، انهم مأخوذون بسيئ أعمالهم . ان الله لا يخدع من جنته ، وليميز الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون .